صديق الحسيني القنوجي البخاري
127
فتح البيان في مقاصد القرآن
عداهم إلى جوازها في الدنيا والآخرة ، ووقوعها في الآخرة ، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة وهي قطعيّة الدلالة لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة ، وزعموا أن العقل قد حكم بها دعوى مبنية على شفا جرف هار ، وقواعد لا يغتر بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب ، وسيأتيك بيان ما تمسكوا به من الأدلة القرآنية ، وكلها خارج عن محل النزاع ، بعيد من موضع الحجة ، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة ، وقد استوعب الحافظ ابن القيم الكلام عليها في كتابه حادي الأرواح بما يشفي العليل ويروي الغليل فليرجع إليه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إنعامنا ذلك أي بالبعث بعد الموت ، قاله أبو السعود أو ما كفرتموه قاله البيضاوي . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 57 إلى 58 ] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ أي جعلناه كالظلة ، والغمام جمع غمامة قاله الأخفش ، قال الفراء ويجوز غمائم قال ابن عباس غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة ، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر ، وكان معهم في التيه ، وقال قتادة كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم من الشمس وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر ، والتيه واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج . وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى يعني في التيه ، قال قتادة أطعمهم ذلك حين برزوا إلى البرية ، فكان المن يسقط عليهم في محلتهم طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده ، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة ، ولا لطلبة شيء ، وهذا كله في البرية . وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقالوا لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] وسيأتي بسطه في سورة المائدة ، وكان عدد الذين تاهوا ستمائة ألف وماتوا كلهم في التيه إلا من لم يبلغ العشرين ، ومات فيه موسى وهارون ، وكان موت موسى بعد هارون بسنة ، والمن قيل هو الترنجبين وعلى هذا أكثر المفسرين وهو طل ينزل من السماء على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ ، ذكر معناه في القاموس ،